Follow Us On

هل كان "آريوس" مسلما؟ الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الصلاة والسلام على خاتم المرسلين، سيد الأولين والاخرين، محمد طه الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن اتبعهم بإحسان الى يوم الدين

 

مقدمة البحث

 

هل كان "آريوس" مسلما؟

مقال مختصر جدا عن أحد أبرز رجال الكنيسة في زمانه؛ حاولت فيه تسليط الضوء على ما لم أجده في مقالات تناولت شخصيته الجدلية وطرحت بعض الإشكالات وأجبت عنها؛ وأشرتُ مرات -ولو بجملة قصيرة- إلى ما يتحمل الإطالة في مقالات لاحقة نتناول فيها هذا العنوان إن شاء الله، والمقال يحتوي على شيء قليل من العلم؛ لكن حاولت فيه استخلاص ما يُبتنى من فهم العقائد الدينية؛ ومن الأدلة؛ والقرائن؛ وحتى ربما من الاحتمالات التي تنشأ من الشبهات؛ كما من التحليل الفكري والعقلي والمنطقي لوقائع تاريخية قديمة.


في هذا المقال
:

 

الجزء الأول

1. أبرز المحطات في السيرة الذاتية.

  

الجزء الثاني

 

2. أبرز العقائد المنقولة عن آريوس.

 

الجزء الثالث


هل كان آريوس مسلما عيسويًا!؟



الأجزاء الثلاثة في المداخلات الثلاثة اللاحقة من هذا الموضوع
.

  

 

الجزء الأول

 

 

 

1. أبرز المحطات في السيرة الذاتية.

أحد أكبر رجال الكنيسة في وقته؛ وَلِدَ سنة 256 في ليبيا. وتُوُفِّيَ في القسطنطينية سنة 336 بالتقويم الرومي أي قبل البعثة المحمدية ب235 سنة، في زمن ضجت الكنيسة بالخلافات العقائدية والمناظرات التي يُعَبِّر فيها كل فريق عن فهمه الخاص للإنجيل الذي بين أيديهم، فدرس ما يسمى باللاهوت أو الإلهيات -ويُقصد بها العقائد- في مدرسة الإسكندرية؛ ثم في مدرسة أنطاكيا؛ وهما مدرستان على طرفَيْ نقيض في فهم اللاهوت. ولم يكن آريوس ظاهرة شاذة بين رجال الكنيسة فقد سبقه من كان على منهجه ولحق به من أيَّد أفكاره وانتصر لها أقول ويظهر هذا من سياق المنقولات الكثيرة. دخل آريوس في سلك رجال الكنيسة في الإسكندرية فَفُصِل مرات وأعيد مرات لكنه تمكن من تثبيت نفسه مرجعية كبيرة وذا شأن كبير في المدينة، حتى اصطدم بالكسندروس -أسقف الإسكندرية- حين أنكر أن يكون المسيحَ هو ابنُ الله؛ أقول وهذا يعطي إشارة واضحة إلى عدم إجماع رجال الكنيسة في ذلك الزمان على تحريف تعاليم المسيح عليه السلام لا سيَّما وقد نقلت لنا الأخبار أن آريوس شخصيا هو من عمِل على تثبيت الكسندروس أسقفا للإسكندرية مما يشير إلى احتمال نشوء الرأي حديثا وقتها لدى ألكسندروس نفسه؛ كان واقعا مشابها -جزئيا- لما نشهده في حاضرنا من فرق تحرِّف تعاليم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وتمتلك الثروات المالية والنفوذ السياسي. آريوس اتَّهم الكسندروس باستمداد تلك العقيدة من السابيلية وهم عبدَة الشمس والأوثان -أقول وهذا ينفي أصالة ذلك المعتقد في التعاليم المنقولة والمأخوذة عن عيسى عليه السلام- بكل حال تمكن الكسندروس من أن يحظى بدعم مجمع قسوس الكنيسة فأُدين آريوس وبُدِّعَ وطُرد فارتحل إلى حيث تجمَّع حوله أساقفة وافقوه في عقيدته وأيَّدوه وبرَّأوه في مجمَّع نيقوميديا التركية، إلا أن الكسندروس رفض مقررات مجمع نيقوميديا وعمد إلى مجمّع جديد في الإسكندرية سنة 318ر فقام بتثبيت إدانة آريوس الذي اغتنم مصادمات سياسية فعاد إلى الإسكندرية ينشر دعوته بين العامة والخاصة وأقتبس من كتاب [حياة قسطنطين] ما نصه: (حيث أخذ بعمل بحماس شديد وبأساليب مبتكرة لأجل عقيدته بأن المسيح مخلوق ونشرها بين الجماهير عن طريق الأحاديث والأشعار) انتهى بحروفه الأمر الذي أثار أسقف الإسكندرية كما أزعج الإمبراطور قسطنطين الأول ويُعرف بالكبير أو العظيم 272-337ر وأمه "هيلانة" وهو إمبراطور وثني تدخل في حسم النقاشات والمناظرات والمجمعات لصالح الرأي المخالف لتوجيهات آريوس ولا سيَّما في مجمع نيقية أو ما عرف باسم "المجمع المسكوني الأول" سنة 325ر حين أُرسل آريوس إلى هناك مكبَّلا بالقيود، وللأسف فقد عُقِد هذا المجمع برئاسة الكسندروس الأول بطريرك الإسكندرية وأوسابيوس القرطبي أسقف إسبانيا وهما معاديان لآريوس، وحضر الإمبراطور شخصيا. ويروي كتاب [مجمع نيقية] للأسقف بيشوي أن المجمع انعقد بحضور 318 أسقفا 22 منهم مؤيد لألكسندروس و16 منهم مؤيدا لتوجهات آريوس وبينهم أسقف نيقية نفسه بينما لم يكن الباقون قد اتخذوا موقفا!. انتهى ما أردت اقتباسه بتصرف من كتاب بيشوي. أقول وهذا -في حال صحته- يؤكد حداثة نشوء الرأي في ذلك الزمن، وبكل حال فإنه لم يجرِ الاتفاق على شيء حتى تدخَّل الإمبراطور -وكان لا زال على وثنيته حيث يُرجِّح البعض أنه لم يتنصَّر إلا بعد قيام عاصمته الجديدة سنة 330ر والتي عُرفت بعد موته سنة 337 باسمه القسطنطينية كما يثبتون أنه لم يتعمَّد إلا قبل موته بسنة واحدة أي سنة 336ر وعلى يد أسقف آريوسي!- وخرج المجمع بما عُرف ب"قانون إيمان مجمع نيقية" وأكَّد على إدانة آريوس الذي تمَّ نفيه إلى ألليريا إلا أن هذا لم ينهِ أفكار آريوس ولم يوقف الخلاف فاستمرت المفاهيم الآريوسية بالانتشار نظرا لوجود كثير ممن يحملون عقائد مشابهة لعقيدة آريوس ونظرا لتوفُّر الكثير من المناصرين له وكذلك نظرا -بحسب التحليل- إلى خلو معتقدات معظم العامة من ذلك الرأي الحديث القائل بإلهية المسيح! مما أجبر الإمبراطور على استدعاء آريوس من منفاه سنة 327ر قبل أن يعود فيرسله إلى قسطنطينية حيث وافته المنية سنة 336ر مقتولا مسموما كما يؤكد باحثون. مع ذلك فقد استمر مذهب آريوس بالانتشار حتى غلب في مرحلة لاحقة وتغلَّب على خصومه إلا أن التحريف عاد ليقع حتى في أفكار آريوس ودعوته وهذا ما سنجيب عنه في الجزء الثاني إن شاء الله.

 

 

(نهاية الجزء الأول)