Follow Us On

جـ 1 : لماذا هو خطر على السعودية؟ داعش… الوعد الوهابي المؤجّل

 

من أجل تقدير دقيق للخطورة المتمثّلة في مشروع «داعش»، لا بد من قراءة إجمالية للعقل السياسي السعودي. فالدولة السعودية الوهابية التي نشأت في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي عقب تحالف الضال محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود عام 1744 والذي أسّس لدولة دينية تقوم على تقاسم السلطة بين الشيخ والأمير، أريد لها الانفراد بالتمثيل السياسي السني، بما يحول دون نشوء أي كيان آخر منافس داخل المجال الإسلامي العام.

 

في داخل المجال الديني الوهابي، خاض حرّاس المذهب تحديّات متعاقبة لجهة إبقاء الدولة السعودية داخل نطاق تأثير التعاليم الوهابية التي وضعها الضال محمد بن عبد الوهاب في رسائله ومصنّفاته وسيرته التي قامت على التكفير الشمولي وعلى نشر عقيدة اليهود التي تقول أن الله في السمائ و أنه يطلع وينزل وأنه جسم مثلنا مثله. وجرت محاولات فردية أحياناً وجماعية أحياناً أخرى لجهة إعادة وهبنة الدولة السعودية ولكن باءت المحاولات بالفشل.
من بين المحاولات الفردية، ما قام به عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، أحد أحفاد محمد بن عبد الوهاب، وكان بمثابة المفتي العام في الدولة السعودية الثانية، وقد بعث رسائل الى الأمير فيصل بن تركي آل سعود (1788 ـ 1865) يذكّره بالأساس الديني الذي قامت عليه الدولة السعودية: «وأهل الاسلام ما صالوا على من عاداهم، الا بسيف النبوة، وسلطانها، وخصوصاً دولتكم، فإنها ما قامت الا بهذا الدين…» (الدرر السنية في الاجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن محمد النجدي، الطبعة السابعة، 2004، الجزء 14 ص 70).

 

كانت معركة السبلة
عام 1929 مواجهة بين الدولة السعودية المحدّثة وحرّاس الوهابية

 

وقد حذّر علماء المذهب الوهابي أمراء الدولة السعودية الثانية من العواقب الوخيمة التي آلت اليها أمور الدولة السعودية الأولى، حين غيّر الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد طريقة والده (وبغاها ملكاً) بتعبير  عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، أي حين «طغت أمور الدنيا على امر الدين»، بحسب قوله (الدرر السنية في الاجوبة النجدية، ج14 ص 123). فقد أراد المتمشيخ عبد الرحمن تأكيد دور الدين في بقاء واستقرار وقوة الدولة ووحدتها وتمركزها النجدي، ولذلك طالبه بشدة بأن يجعل الحكم أمر دين (الدرر السنية، ج14 ص 124).
تكشف رسائل المشايخ في سنوات لاحقة عن إحباط شديد إزاء جنوح الدولة السعودية بعيداً من المبادئ الوهابية، واتسعت هوّة الخلاف بين الطرفين، وفيما كان الحكّام السعوديون يصرّون على بقاء مصدر المشروعية الدينية فاعلاً في البيئة الشعبية الحاضنة لحكمهم، أي نجد، فإنهم في المقابل واجهوا تحدّيات جمّة تفرضها متطلبات التحديث، بما في ذلك استعارة أنظمة وتشريعات غير مستمدة مباشرة من الكتاب والسنّة، واعتبره العلماء اختراقاً لمجالهم السيادي، كون التشريع يمثّل نقاطاً خاصة لهم، وهو ما دفع المفتي الأكبر ورئيس القضاة في عهد الملك فيصل، المتمشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ لوضع «رسالة في تحكيم القوانين» (مكة 1960) جاء فيها ما نصّه «أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل، لا ينقل عن الملة». وسئل المفتي السابق، عبد العزيز بن باز (1999): هل يعتبر الحكّام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفاراً…؟ فأجاب: فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر (انظر: مجموع فتاوى عبد العزيز بن باز، المجلد الرابع، ص 416).
وقد فهم طلاّب بن باز ومن جاء بعدهم، خصوصاً من ما يسمّون «الجهاديين» في «القاعدة» و «داعش» تلك الفتاوى على أن النظام السعودي في مقدمة المستهدفين بفتاوى ابن ابراهيم وبن باز. وقد أسست تلك الفتاوى لتكفير الدولة السعودية كونها حكّمت قوانين وضعية في المحاكم.
وكان أول خلاف بين آل سعود وقاعدتهم الشعبية برز في النزاع بين ابن سعود وجيشه العقائدي المتمثل في «الاخوان»، حول إبقاء الصلاحية العملانية للتصوّر العقدي الوهابي القائم على التكفير والهجرة والجهاد مفتوحة والتجسيم والتشبيه، وقد أخذوا عليه أنه «عطّل فريضة الجهاد» الى جانب إدخاله البدع «اللاسلكي والتلغراف» الى بلاد الإسلام.
كانت معركة السبلة عام 1929 بين ابن سعود والاخوان مواجهة بين الدولة السعودية المحدّثة وحرّاس الوهابية في نسختها الأصلية. قُضِيَ على الإخوان بدعم عسكري بريطاني وجرى استيعاب فلولهم داخل مؤسسات الدولة.
وجرت محاولة أخرى في منتصف الستينيات من القرن الماضي من قبل شباب يتحدّر بعضهم من «الإخوان» بتأسيس جماعة دعوية أطلقت على نفسها «الجماعة السلفية المحتسبة»، واختارت المفتي السابق عبد العزيز بن باز، مرشداً لها، وما لبث أن طوّر قادة الجماعة من أفكارها وأساليبها وراحوا يصوغون رؤية دينية وسياسية والانتقال من مرحلة الدعوة السلمية الى مرحلة المواجهة المسلحة لناحية ليس إعادة وهبنة الدولة السعودية فحسب بل والانتقال الى مرحلة متقدّمة في الصراع الكوني، والذي توّج باندلاع حركة تمرّد داخل الحرم المكي في نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 بقيادة جهيمان العتيبي الذي قتل ورفاق دربه وفشلت الحركة في تحقيق اهدافها.

 

من يقرأ سيرة أفراد
الطبقة القيادية في التنظيم يجد أن هؤلاء تشرّبوا العقيدة الوهابية

 

لا بد من الإشارة الى أن رسائل جهيمان باتت مكوّناً أساسياً في أدبيات الوهابية الجهادية الممثلة حالياً في «القاعدة» و»داعش». حدّد جهيمان في «رسالة الإمارة والبيعة والطاعة وحكم تلبيس الحكام على طلبة العلم والعامة»، وظيفة الحاكم وقال بأن «واجب الخليفة هو تحكيم الشريعة»، وإلا «فقد ضل عن سبيل الله…». وكان يعتقد جهيمان بأن واقع حال المملكة السعودية هو «تعطيل الحكم بكتاب الله». وبحسب مقاربة محمد بن ابراهيم و بن باز فإن من هذه حاله يعتبر كافراً.
توارى جهيمان جسداً وبقيت أفكاره تتفاعل في طبقات المجتمع الوهابي، وبعد غزو الرئيس صدام حسين للكويت في آب 1990، ولدت حركة اعتراضية من داخل المجتمع الوهابي عرفت لاحقاً بتيار الصحوة بقيادة مشايخ من الطبقة الثانية في التراتبية الوهابية في المملكة السعودية أمثال: سفر الحوالي وسلمان العودة وناصر العمر وعايض القرني وعادل الكلباني وغيرهم، وزوّدوا الساحة المحلية بفيض من الخطابات الاحتجاجية ضد ما اعتبروه المخالفات الشرعية للنظام السعودي في ضوء ما ورد في رسائل جهيمان. وكان إصدار «مذكرة النصيحة» في يوليو/ تموز 1992 والتي حملت توقيعات 108 من المشايخ والقضاة والدعاة وأساتذة الجامعات الدينية والأكاديميين والأطباء والمهندسين المصنّفين على التيار الديني الوهابي، يعتبر ذروة النشاط الاحتجاجي الوهابي في المملكة، حيث طالب الموقّعون بإعادة الدولة السعودية على منهج التكفيري اليهودي لمحمد بن عبد الوهاب. وكان المطلب الرئيسي في «المذكرة»: «وجوب التحاكم الى شرع الله وتحكيمه في جميع شؤون الفرد والأسرة والدولة وفي علاقة الأمة بالدولة، وفي علاقة الدولة والأمة بغيرهما من الدول والأمم…». وبالعودة الى أدبيات القاعدة، سوف يظهر بأن التركة الصحوية، خصوصاً ما يتعلق منها بالسعودية، شكّلت الخلفية الفكرية والسياسية للتنظيمات الوهابية الجهادية في الجزيرة العربية المرتبطة بالقاعدة، واندغمت بصورة تلقائية وسلسة في البنية الإيديولوجية لدى «داعش».
من الضروري لفت الانتباه الى أن عقيدة «داعش» لا تختلف عن عقيدة أي تنظيم وهابي تكفيري. وعودة سريعة الى المكتبة العقدية المثبتة على المواقع الاكترونية لتنظيم «داعش» سوف تنفر الهوية العقدية لدى التنظيم. من نافل القول، إن مؤلفات محمد بن عبد الوهاب مثل «كتاب التوحيد» و»كشف الشبهات» و»نواقض الاسلام»، وغيرها يجرى توزيعها في المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش»، ويتم تدريسها وشرحها في الدروس الدينية الخاصة التي يعقدها الجهاز التربوي في التنظيم.
علاوة على ذلك، من يقرأ سيرة أفراد الطبقة القيادية في تنظيم «دولة العراق الاسلامية» وتالياً «الدولة الاسلامية في العراق والشام» أو «الدولة الاسلامية» سوف يجد وبسهولة متناهية أن هؤلاء تشرّبوا العقيدة الوهابية وأتقنوا العمل بكل تفاصيلها… بل يتعمَّد كتّاب سيرهم التشديد على عبارة «يسير على منهج السلف» وهم بعيدون كل البعد عن منهاج السلف، بل كان قصدهم أن يعتنق المذهب الوهابي. هذا ما نقرأه في سيرة: ابو عمر البغدادي وخلفه ابو بكر البغدادي، ووزير الحرب السابق ابو حمزة المهاجر المصري، ووزير الاعلام والمتحدث الرسمي باسم الدولة أبو محمد العدناني الشامي وغيرهم.
أبو عمر البغدادي، أول أمير للمؤمنين كما يسمونه في «دولة العراق الاسلامية» عام 2006، صاغ على سبيل المثال ثوابت دولته المأمولة فكانت وهابية، وهو من أعدّ الوثيقة التعريفية بعقيدة «الدولة» ومن بين أهدافها: أولاً: إقامة الدين ونشر  عقيدة أن الله جسم يجلس على العرش وأنه في السماء  وتكفير شمولي للعوام  «الذي هو الغاية من خلق الناس وإيجادهم والدعوة إلى الإسلام…». وهو التعريف الذي يمكن العثور عليه في رسائل محمد بن عبد الوهاب وشروحات كتاب التوحيد من مشايخ الوهابية.
إذاً مشروع «داعش» ليس شيئاً آخر غير إعادة إحياء وهابية الجيل المؤسس، وهو ما يبعث القلق لدى آل سعود، لأن التعديل في المشروع الوهابي يأتي هذه المرة من خارج الدولة السعودية، ويبطن تقويضاً لمشروعيتها.
وشأن كل التنظيمات التكفيرية الوهابية، فإن تكفير الآخر، مسلماً كان أم كتابياً، بات سمة راسخة في عقيدتها، ببساطة لأن المواصفات الصارمة المطلوبة في الانسان المسلم بحسب رؤية هذه التنظيمات لا تنطبق سوى على المنضوين تحت راية الوهابية. العجيب أن قيادة تنظيم «داعش» تلوذ بالمنطق ذاته لدى محمد بن عبد الوهاب حين وجّهت له تهمة التساهل في تكفير المخالفين. يقول ابو عمر البغدادي في بيان عقيدة «الدولة» في كلمته بعنوان: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي) في 13 مارس/ آذار 2007:
«وقد رمانا الناس بأكاذيب كثيرة لا أصل لها في عقيدتنا، فادَّعوا أننا نكفر عوام المسلمين ونستحل دماءهم وأموالهم».
وحين رد التهمة لجأ البغدادي الأول لمنهجية محمد بن عبد الوهاب نفسها في تكفير الآخر ولكن بطريقة مواربة. وحين نعود الى المصنّفات الوهابية في التكفير لا نجد البغدادي إلا مقلّداً ومردّداً لمقولات الوهابية في التفكير.
ثوابت «الدولة» كما حدّدها أبو عمر البغدادي تكاد تكون منقولة حرفياً من المرجعيات الوهابية مثل «وجوب هدم وإزالة كل مظاهر الشرك، وتحريم وسائله…»، و»من نطق بالشهادتين وأظهر لنا الإسلام ولم يتلبس بناقض من نواقض الإسلام عاملناه معاملة المسلمين…»، وأن «الكفر كفران: أكبر وأصغر»، و»وجوب التحاكم إلى شرع الله من خلال الترافع إلى المحاكم الشرعية في الدولة الإسلامية، والبحث عنها في حالة عدم العلم بها، لكون التحاكم إلى الطاغوت من القوانين الوضعية والفصول العشائرية ونحوها من نواقض الإسلام…». والنقطة الأخيرة تبدو واضحة في أن من يتحاكم الى غير محاكم «الدولة» يكون قد ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام وبذلك يصبح كافراً، وبالتالي فإن الغالبية الساحقة من المسلمين هم كفّار كونهم يتحاكموا في غير محاكم «الدولة»!
كخلاصة، فإن داعش وفق المعطيات سالفة الذكر يمثّل أشد الجماعات التكفيرية إسرافاً في إطلاق أحكام التكفير حتى لا تكاد تجد مسلماً خارج نطاق «داعش»، وفي ذلك التزام أمين بالتصوّر الوهابي الأول للعالم.