Follow Us On

جـ 2: لماذا هو خطر على السعودية؟ داعش… الوعد الوهابي المؤجّل

 

 

 

من التوحش الى التمكين

 

يصوغ منظّرو «القاعدة» و»الدولة» استراتيجية شاملة للتغيير تقوم على ثلاث مراحل: النكاية والإنهاك، التوحش، التمكين (= قيام الدولة). وتشتمل مرحلة التوحّش على مهمات كثيرة منها رفع ما يسمونه بالحالة الايمانية لتسهيل استقطاب الناس الى صفوف العاملين: «عبر توجيه رسول من التنظيم للإدارة المسؤولة عن المناطق المجاورة لدعوتها للدخول في ولاء أهل التوحيد والجهاد…» (أبي بكر ناجي، إدارة التوحش، سلسلة مقالات في فقه التغيير، الحلقة الاولى من سلسلة تحفة الموحدين في طريق التمكين، مركز الدراسات والبحوث الاسلامية، د.ت، ص47).
وفي نهاية المطاف، فإن استراتيجية الوهابية التكفيرية تقوم على رؤية عقدية وهو ما ينعكس على تصوّرها للمعركة «أن معركتنا هي معركة توحيد ضد كفر وإيمان ضد شرك، وليست معركة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية…» (أ.ناجي، إدارة التوحّش، مصدر سابق ص112).
ويرسم أبو بكر ناجي صورة مثالية لمهمات إدارة التوحش، من بينها: إقامة القضاء الشرعي بين الذين يعيشون في مناطق التوحش، العمل على بث العلم الشرعي الفقهي (الأهم فالمهم) والدنيوي (الأهم فالمهم). وخصائص مرحلة التوحّش تكاد تشبه خصائص الإمارة الدينية التي أقامها محمد بن عبد الوهاب في الدرعيّة، وسط نجد، حين طبّق رؤيته الدينية الصارمة في إدارة شؤون العباد، لتطبيق الشريعة وإقامة الحدود، وجبي أموال الزكاة والغنائم.
وهنا مكمن الخطورة على الدولة السعودية التي تمثّل الوهابية، الإيديولوجية المشرعنة لها، حيث يعتنق «داعش» مشروعاً أممياً ناضلت الوهابية منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي من أجل تحقيقه ولكن تمّ القضاء عليه نتيجة إذعان عبد العزيز آل سعود لقوانين النظام الدولي حينذاك.
قيام «الدولة الاسلامية» وفق رؤية عقدية وهابية، يشكّل خطراً جديّاً بالنسبة إلى السعودية التي تسعى إلى تقويض أي مشروع أممي قد يصل الى داخل حدودها… في واقع الأمر، أن «داعش» هو البديل العملاني من شبكة «القاعدة» التي تخسر فروعها لمصلحة «الدولة الاسلامية» التي لم تعد مقتصرة على العراق والشام، وإنما باتت مفتوحة على المكان، فكل أرض خضعت تحت سيطرة «الدولة» باتت جزءاً من سيادتها.
ويعطي أبو محمد العداني توصيفاً خاصاً للدولة بما نصّه: «الدولة الإسلامية ما وُجِدت قديماً وحديثاً إلا لتحقيق هذه الغاية التي هي حمل الناس كافةً على التوحيد والاحتكام بشرع الله ليكونوا أمةً واحدة…».
إنها بكلمات أخرى دولة حرب، تستمد وجودها ومشروعيتها من إيديولوجية الفتح، أي النزاعات مع الدول الأخرى وعلى القطيعة والخصومة معها، فهي تريد أن تحكم بالقتل لتطبيق الشرع!
ولذلك، نلحظ كيف تدرّج مشروع «الدولة» من كونه خاص بالعراق ولأهل السنة فيه على وجه الخصوص حين أعلن عن «الدولة الاسلامية في العراق» (تشرين الأول/ أكتوبر 2006)، ثم تحوّل الى مشروع يضم العراق والشام (داعش)، أي «الدولة الاسلامية في العراق والشام» (9 نيسان 2013)، وأخيراً أصبح مشروع خلافة إسلامية وصار اسمها «الدولة الاسلامية» (29 حزيران 2014)، وهذه مفتوحة على الأرض.
لمعرفة أهداف «الدولة» نعود الى كلمة الأمير السابق للدولة الاسلامية في العراق ابو عمر البغدادي في سياق رصده لمكاسب «مجاهدي» الدولة بعد أربع سنوات من ولادتها، ويضع في الناحية العقدية «ففي فترة زمنية قياسية درب جيل كبير من الشباب على عقيدة الولاء والبراء المنسية…»، ولا تتحقق هذه العقيدة إلا في وجود جماعة، وتعليل ذلك: «أن الجماعة هي تجسيد عملي لحقيقة الولاء والبراء في الإسلام، فارتباط المؤمنين في جماعة واحدة بعد ارتباطهم بالتوحيد هو الذي يجسد هذا الإيمان في واقع الحياة». فهي إذاً دولة وهابية لا صلة لها بالدول المتعارف عليها.
في ضوء الأدلجة الفارطة للدولة، نجد أنفسنا أمام الرؤية الوهابية البحتة التي صاغها محمد بن عبد الوهاب حين أقام إمارة دينية تكون منصّة لإطلاق مشروع الخلافة القائمة على: التوحيد، والولاء والبراء، والهجرة والجهاد.
ثمة دلالة كبيرة في دعوة أبي بكر البغدادي، خليفة «الدولة الاسلامية» في خطبته في المسجد الكبير في الموصل في 4 تموز الماضي المسلمين عموماً بالانضواء في الدولة والهجرة اليها، «فيا أيها المسلمون في كل مكان؛ مَن استطاع الهجرة إلى الدولة الإسلامية فليهاجر، فإن الهجرة إلى دار الإسلام واجبة… ففرّوا أيها المسلمون بدينكم إلى الله مهاجرين…».
إن عبارة «الهجرة الى دار الإسلام واجبة…» كفيلة بالكشف عن حقيقة عقدية لدى البغدادي وأهل دعوته، فمجرد الدعوة الى الهجرة يعني أن ثمة دار شرك يراد الهجرة منها الى مكان آخر، كالهجرة من مكّة الى المدينة، وأن تكون الهجرة واجبة تعني أن المشروعية الدينية باتت محصورة في النطاق الجغرافي للدولة الاسلامية التي يتولى أمرها ابو بكر البغدادي. هنا نستحضر تجربة محمد بن عبد الوهاب وانتقاله من العيينة الى الدرعيّة وسط نجد، حين دعا أنصاره بالهجرة الى الدرعية باعتبارها دار الإسلام وأن الهجرة اليها واجبة، وما عداها يصبح تلقائياً دار كفر.

 

السعودية… في مرمى «الدولة»

باتت السعودية اليوم من بين مجموعة دول تضم الأردن وبلاد المغرب ونيجيريا وباكستان واليمن، من ضمن الدول المرشحة لأن تكون ضمن مناطق التوحش، لوجود عمق جغرفي وتضاريس تسمح بإقامة مناطق تدار بنظام إدارة التوحش، وضعف النظام الحاكم وضعف حضوره العسكري في الأطراف، وجود مد وهابي تكفيري واعد، طبيعة الناس في هذه المناطق، انتشار السلاح بأيدي الناس فيها (أ. ناجي، طريق التمكين، مصدر سابق 8 ـ9).
ومن الضروري الإشارة الى أن مرحلة إدارة التوحش تكون تمهيدية لمرحلة التمكين، وإن ادخال السعودية ضمن استراتيجية التغيير يعني أن داعش يستعد لتحقيق الوعد الوهابي المؤجل بإقامة الخلافة.
استبشر كثير من المقرّبين من النظام السعودي بسيطرة «داعش» على الموصل وتمدّده الى محافظات عراقية أخرى، وبالغ البعض في وصف ذلك، فبين من أسبغ على مقاتلي داعش صفة «الثوار»، وبين من اعتبر فعله «حركة تحرير»، ولكن ما لبّث أن انقلب المزاج العام بصورة دراماتيكية، منذ الإعلان عن إقامة «دولة الخلافة»، وبدء الحديّث عن تمدّد «الدولة» الى الجنوب، الى حيث «الجزيرة العربية».
فوجئت السلطات السعودية بالمنسوب المرتفع من التعاطف مع «دولة الخلافة» وسط القاعدة الشعبية الوهابية، إلى درجة أن حملات الكترونية انطلقت بصورة متزامنة تشيد بإعلان الدولة وتعلن البيعة لأميرها أبي بكر البغدادي.
اكتشفت السعودية بأن ثمة مجتمعاً داعشياً ثاوياً وسط المجتمع الوهابي الذي تعتقد بأنها تديره وتسيطر عليه. تنبّه آل سعود الى أن انبعاثاً وهابياً انطلق من خارج الحدود هذه المرة ويمثّل أكبر وأخطر تهديد واجهه النظام السعودي منذ نشأته.
خطورة «الدولة الاسلامية» تكمن في اعتناقها ذات المدّعيات العقدية وتبشيرها بنفس التعاليم الدينية التي صاغها المؤسس محمد بن عبد الوهاب، وتزيد على ذلك أنها تحمل في طياتها الوعد المؤجل منذ قرنين، أي إقامة دولة الخلافة، وصنع ما أخفق في صنعه مشايخ الوهابية و»الاخوان» و»حركة جهيمان» و»مشايخ الصحوة» و»قاعدة الجهاد في جزيرة العرب» وغيرها من المحاولات الفردية والجماعية.
حارب آل سعود أنظمة الحكم الدينية بعد اندلاع الربيع العربي، وخصّصوا ميزانيات ضخمة لإسقاط حكم الاخوان في مصر كي لا ينشأ نموذج حكم إسلامي ينافس ويقوّض مشروعية النظام السعودي، ولكن برز إليهم من داخل المجال الوهابي من يحمل مشروعاً منافساً ويملك من الأفكار التحريضية، والمبررات الدينية، والقوة العسكرية والبشرية ما يجعله بديلاً محتملاً، وسط بيئة بدت كما لو أنها منقسمة على ذاتها، يكشف عن ذلك توجيه شباب على مواقع التواصل الاجتماعي دعوة الى أمير المؤمنين في «الدولة الاسلامية» للقدوم الى الحجاز لتحرير مكّة من آل سعود!