على مدار أكثر من 1440 عاماً، شكّل الإسلام إطاراً حضارياً استثنائياً، قدَّم للعالم نموذجاً رفيعاً في التعايش السلمي والتسامح بين مختلف الأديان والطوائف. ازدهرت في ظل الدولة الإسلامية حضارات عريقة امتدت من الأندلس غرباً إلى حدود الصين شرقاً، حيث تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود في مجتمعات شهدت نهضةً علمية وثقافية لم تعرف البشرية مثيلاً لها في عصور الظلام الأوروبية. ومع ذلك، وبعد كل هذا التاريخ الزاخر بالتسامح والحوار الحضاري، لماذا ظهر التطرّف باسم الإسلام في العقود السبعة الأخيرة فقط؟
الوهابية وبذور التطرّف الفكري
ظهر التطرّف الفكري الحديث بشكل واضح مع الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر، والتي أسسها محمد بن عبد الوهاب في نجد. خالفت هذه الحركة ما استقر عليه علماء أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، واتسمت بنهجها التكفيري الحادّ، حيث أعلنت تكفير المسلمين المخالفين لتعاليمها. وشكّلت هذه الحركة بذرة أولى لظاهرة التطرّف التي نراها اليوم.
الاستعمار الغربي واستراتيجية “فرق تسد”
منذ القرن التاسع عشر، انتهج الاستعمار الغربي – خاصة بريطانيا وفرنسا – سياسة “فرق تسد” في المنطقة، مستغلاً الخلافات الطائفية والإثنية لتقسيم وإضعاف المجتمعات الإسلامية. وعلى الرغم من الجدل حول صحة “مذكرات الجاسوس البريطاني همفر”، فإن الممارسات التاريخية تؤكد حقيقة استخدام هذه السياسة بشكل ممنهج لخلق الشقاق داخل الأمة الإسلامية، ودعم حركات التطرّف التي تخدم مصالحهم.
الحرب الباردة.. من صنع القاعدة والتطرف؟
مع اندلاع الحرب الباردة، تحولت بعض الحركات المتطرفة إلى أدوات سياسية بيد الغرب لمحاربة خصومه. تؤكد وثائق الحكومة الأمريكية وتصريحات شخصيات رسمية مثل هيلاري كلينتون أن الولايات المتحدة دعمت جماعات “المجاهدين” في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي، ما أدى في النهاية إلى ظهور تنظيم “القاعدة”.
استراتيجيات الهيمنة وتفكيك العالم الإسلامي
تشير وثائق مشروع القرن الأمريكي الجديد (PNAC) وخطة “عوديد ينون” الإسرائيلية عام 1982 بوضوح إلى استهداف تقسيم المنطقة وتفكيك الدول الإسلامية القوية إلى دويلات ضعيفة ومتصارعة. وهذه المخططات الجيوسياسية كانت دافعاً مباشراً وراء دعم جماعات متطرفة مثل داعش وغيرها، لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة كل البعد عن الإسلام الحقيقي.
لماذا المسلمون هم الضحية الأولى؟
الواقع المؤلم أن الغالبية الساحقة من ضحايا العمليات الإرهابية التي تنفذها هذه الجماعات هم مسلمون أبرياء. أثبتت الدراسات أن حوالي 90% من ضحايا التطرف هم مسلمون، وهو ما يفضح حقيقة هذه الجماعات التي تدّعي الدفاع عن الإسلام وهي في الواقع تحاربه وتشوّه صورته، دون أن تستهدف إسرائيل أو القوى التي تزعم محاربتها.
موقف الإسلام الحقيقي: الرحمة ونبذ التطرّف
على المستوى العقدي، يؤكد علماء السنة الأشاعرة أن الإسلام بريء من أفعال هذه الجماعات المتطرفة. فالشريعة الإسلامية واضحة في تحريم قتل الأبرياء والمدنيين، وتنص الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة على الرحمة والعدل ورفض الغلو والتطرف.
Sunna Files Free Newsletter - اشترك في جريدتنا المجانية
Stay updated with our latest reports, news, designs, and more by subscribing to our newsletter! Delivered straight to your inbox twice a month, our newsletter keeps you in the loop with the most important updates from our website
قال الله تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة:32)، وقال رسول الله ﷺ: «إياكم والغلوّ في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين».
الخلاصة: الإسلام مُستَهدف وليس مُتهماً
ظهور التطرّف في العقود الأخيرة ليس ظاهرة إسلامية، بل هو نتيجة مباشرة لاستغلال الدين في صراعات جيوسياسية. هذه الجماعات المتطرفة هي وحوش سياسية مصطنعة، خُلقت أو دُعمت من قِبَلِ مَن يدّعي محاربتها، بهدف تشويه صورة الإسلام وتمزيق وحدة المسلمين.
لكن الإسلام سيبقى دين الرحمة والسلام والتسامح، وهو ما يؤكده التاريخ، وستنكشف حتماً حقيقة هذه الجماعات ومَن يقف خلفها، لأن الحق سينتصر والباطل سيندثر، كما وعد الله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (الإسراء:81).