من فلسطين إلى العراق، من سوريا إلى أفغانستان، ومن اليمن إلى السودان، تتوالى الأزمات على العالم الإسلامي كما لو أن هناك مشروعًا منظّمًا لا يترك بلدًا إلا مزّقه، ولا شعبًا مسلمًا إلا أنهكه. هذا ليس مجرد تسلسل عشوائي للأحداث، بل هو نتاج تحالف أيديولوجي وعقائدي واستراتيجي بين قوى غربية تتصدرها الصهيونية السياسية والتحالف الإنجيلي المتصهين. فهل نحن اليوم أمام حملة صليبية جديدة بثوب دبلوماسي وعناوين زائفة مثل “الحرب على الإرهاب” أو “نشر الديمقراطية”؟
أولاً: فهم الخلفية العقائدية: الإنجيليون والصهيونية الدينية
خلافًا لما يظنه البعض، فإن الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل ليس فقط بسبب المصالح أو النفوذ اليهودي، بل له جذور دينية عميقة داخل التيار الإنجيلي المسيحي في الولايات المتحدة. يؤمن ملايين الإنجيليين بأن قيام دولة إسرائيل عام 1948 هو تحقيق لنبوءات توراتية، وأن عودة اليهود إلى “أرض الميعاد” شرط أساسي لعودة المسيح المخلّص وخوض معركة “هرمجدون” التي تنتهي بنهاية الزمان.
هؤلاء الإنجيليون، الذين يشكلون أكثر من 25% من سكان أمريكا، يضغطون عبر جماعات ضغط ضخمة مثل “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” (CUFI) لدعم الاحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل، بما في ذلك إشعال الحروب ضد أعدائه المفترضين: المسلمين.
ثانيًا: التحالف الصهيوني – الإنجيلي: عندما يلتقي الدين بالمشروع السياسي
الصهيونية السياسية، منذ نشأتها على يد هرتزل، لم تكن مشروعًا دينيًا، بل قوميًا علمانيًا. لكنها سرعان ما وجدت في الخطاب الإنجيلي الأمريكي أرضًا خصبة للتحالف والتضخيم. فالصهيونية تستفيد من الدعم الديني الإنجيلي لتثبيت شرعيتها، والإنجيليون يرون في إسرائيل أداة لتحقيق نبوءاتهم الدينية.
نتج عن هذا التحالف دعمٌ غير مشروط للجرائم الإسرائيلية في فلسطين، وتبريرٌ لكل عدوان على دولة أو جماعة مقاومة إسلامية، بوصفها تمثل تهديدًا لـ”إسرائيل” و”قيم الغرب”. بل وصل الأمر إلى أن يصبح قادة سياسيون أمريكيون أسرى لهذا الفكر، كما قال أحدهم: “عندما أرى العلم الإسرائيلي، أرى يد الله!”
ثالثًا: الصليبية الجديدة… بغطاء الحرب على الإرهاب
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أُطلقت أكبر حملة عسكرية في تاريخ العالم الحديث تحت شعار “الحرب على الإرهاب”. لكن الواقع أثبت أن هذه الحرب كانت موجّهة بالأساس ضد الدول الإسلامية: غُزيت أفغانستان، ثم العراق، ثم جاءت محاولات تفكيك سوريا وليبيا واليمن والسودان.
كل هذه الحروب انطلقت تحت رايات مشبوهة، فيما كانت في جوهرها امتدادًا لمشروع قديم: مشروع إضعاف الأمة الإسلامية، تفكيك دولها، تدمير جيوشها، ونهب ثرواتها، كل ذلك لحساب التفوق الإسرائيلي وضمان أمن الغرب الاستراتيجي.
Sunna Files Free Newsletter - اشترك في جريدتنا المجانية
Stay updated with our latest reports, news, designs, and more by subscribing to our newsletter! Delivered straight to your inbox twice a month, our newsletter keeps you in the loop with the most important updates from our website
إنها الصليبية الجديدة، ولكن بوسائل حديثة: إعلام، دبلوماسية، اقتصاد، ومنظمات دولية تُسخَّر لتبرير كل عدوان.
رابعًا: وثائق وخطط… ليست نظريات مؤامرة
من يظن أن هذا التحليل ضربٌ من الخيال فعليه الرجوع إلى الوثائق:
- وثيقة “عوديد ينون” عام 1982 التي تدعو صراحة لتقسيم الدول العربية إلى دويلات طائفية.
- مشروع “القرن الأمريكي الجديد” (PNAC) الذي وضع غزو العراق وإعادة تشكيل الشرق الأوسط هدفًا معلنًا.
- تصريحات جورج بوش الابن الذي وصف غزوه للعراق بأنه “مهمة إلهية”.
- التحالف الاستراتيجي بين اللوبي الصهيوني في واشنطن والجماعات الإنجيلية في دعم كل حرب على دولة مسلمة.
خامسًا: لماذا المسلمون فقط؟ ولماذا لا تُمس إسرائيل؟
في كل الحروب التي شُنّت باسم مكافحة الإرهاب، لم تُمس إسرائيل بسوء، رغم سجلها الحافل بالاحتلال والإبادة وجرائم الحرب. بل العكس، غالبًا ما كانت الجماعات المتطرفة – مثل داعش – لا تقترب من حدود إسرائيل، بل تُوجَّه بنادقها إلى صدور المسلمين، كما حدث في العراق وسوريا.
هذا يُعيدنا للسؤال الجوهري: هل هذه الجماعات خُلقت فعلًا لخدمة الإسلام أم لضربه من الداخل؟ وهل كانت مجرد رد فعل شعبي، أم أدوات مدعومة بشكل مباشر أو غير مباشر لتبرير التدخلات والحروب؟
سادسًا: الرد الإسلامي الحقيقي: العلم، الوحدة، والوعي
لن تُهزم هذه المشاريع بالخطب فقط، بل بإحياء الوعي الجمعي لدى الأمة. يجب إعادة الاعتبار للعلماء الربانيين من أهل السنة والجماعة، خاصة الأشاعرة، ورفض مناهج التكفير والتفجير.
كما يجب فضح التحالفات المشبوهة، وبيان أن الإسلام لا يُختزل في جماعات مسلحة أو قرارات سياسية، بل هو دين عدل ورحمة، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين}.
خاتمة:
نحن لا نعيش مجرد حقبة من التوترات العادية، بل نعيش مرحلة صدام حضاري بين مشروعَيْن: مشروع الهيمنة والاستعمار بثوب ديني صهيوني-إنجيلي، ومشروع الأمة الإسلامية المستقلة الحرة.
السؤال الذي يجب أن نطرحه: هل نبقى وقودًا لصراعات صاغها غيرنا، أم نعيد كتابة روايتنا بأنفسنا؟
هذا المقال محاولة لكسر الصمت وكشف الحقيقة… فهل آن الأوان أن نستيقظ؟