من سقوط الخلافة العثمانية إلى الحروب المستمرة في القرن الحادي والعشرين، تبرز حقيقة لا يمكن إنكارها: العالم الإسلامي تعرّض لعملية تفتيت وتدمير وتجريد ممنهجة من عناصر القوة. ولم يكن ذلك من باب الصدفة، بل نتيجة مخطط طويل الأمد، خططت له ونفذته قوى استعمارية وصهيونية وإمبريالية، هدفه الوحيد: ألا تقوم للأمة الإسلامية قائمة.
ورغم أن الدول الإسلامية تملك ثروات طبيعية هائلة، ومواقع استراتيجية، وشعوباً شابة طموحة، إلا أنها تبقى من أكثر المناطق تفككًا وضعفًا سياسيًا وعسكريًا في العالم. والسؤال: لماذا؟ هذا المقال يكشف تفاصيل المخطط التاريخي والمعاصر لتفريق الأمة، وتدمير طاقاتها، وتجريدها من أدوات القوة.
أولًا: سقوط الخلافة… ولادة الفراغ
إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك لم يكن مجرد نهاية إمبراطورية، بل تدمير لأهم رمز سياسي وروحي لوحدة الأمة. ذلك الحدث خلق فراغًا استراتيجيًا استغلته القوى الاستعمارية بسرعة.
عبر اتفاقية سايكس بيكو 1916، قامت بريطانيا وفرنسا بتقسيم قلب العالم الإسلامي إلى دول مصطنعة وحدود مزيفة، تم زرعها على أساس طائفي وعرقي. وهكذا، تحولت الأمة الواحدة إلى أكثر من خمسين دولة، كثير منها يحكمه أنظمة تابعة للغرب.
ثانيًا: الطائفية والقومية… ألغام مصنّعة
لتثبيت حالة الانقسام، لم يتم فقط استغلال الخلافات المذهبية والعرقية، بل تم صناعتها. سنة مقابل شيعة، عرب ضد فرس، أتراك ضد أكراد، حضر ضد قبائل — كلها أُسِّست كخطوط تماس لتغذية النزاعات.
أُنشئت الأنظمة السياسية في العراق ولبنان وسوريا على أسس طائفية، واستمرت تلك السياسة حتى اليوم من خلال وكلاء محليين مدعومين خارجيًا. الإعلام بدوره عزز هذا الخطاب الانقسامي، في حين أن إسرائيل تبقى المستفيد الأكبر من هذا النزاع.
ثالثًا: تدمير القوى المستقلة — العراق، ليبيا، إيران، باكستان
أي دولة إسلامية تسعى لامتلاك قرار مستقل أو نفوذ إقليمي تصبح هدفًا مباشرًا:
Sunna Files Free Newsletter - اشترك في جريدتنا المجانية
Stay updated with our latest reports, news, designs, and more by subscribing to our newsletter! Delivered straight to your inbox twice a month, our newsletter keeps you in the loop with the most important updates from our website
- العراق: حُوصِر بالحصار، ثم غُزِيَ عام 2003 بذريعة كاذبة (أسلحة دمار شامل). الهدف الحقيقي: جيش قوي وبلد مستقل.
- ليبيا: في عهد القذافي كانت من أعلى دول أفريقيا تنمية، ورفضت النظام المالي العالمي، فتم تدميرها بالكامل عام 2011.
- إيران: محاصرة ومهددة على الدوام، لا بسبب تهديدها الحقيقي، بل بسبب استقلالها النسبي ونفوذها الإقليمي.
- باكستان: الدولة الإسلامية الوحيدة النووية، تواجه تشويهًا دائمًا، وضغوطًا خارجية لمنعها من امتلاك قرار مستقل.
رابعًا: نزع السلاح… ومنح الأسلحة بشروط
في حين تكدّس إسرائيل والهند ترسانات الأسلحة، يُفرَض على الدول الإسلامية نزع سلاحها:
- سوريا تخلّت عن أسلحتها الكيميائية.
- إيران تعاني من العقوبات بسبب برنامجها النووي.
- باكستان تتعرض للتهديد بسبب قدراتها النووية.
لكن في المقابل، تُباع الأسلحة لدول الخليج بمليارات الدولارات — لكن تبقى تحت إشراف وصيانة خارجية.
خامسًا: الحرب الاقتصادية — الوجه الآخر للصراع
المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي تفرض على الدول الإسلامية شروطًا تضعف سيادتها:
- خفض الإنفاق العام.
- تعويم العملة.
- خصخصة الثروات.
النتيجة؟ تبعية اقتصادية تمنع الدول من تمويل مشاريع عسكرية أو تكنولوجية مستقلة.
سادسًا: الزعماء المدجّنون والمصير المشروط
الزعيم الذي يطيع يُدعم، والذي يرفض يُسقط أو يُعاقب:
- مرسي أُطيح به بعد فوزه ديمقراطيًا.
- عمران خان تم عزله بعد توجهه نحو سياسة خارجية مستقلة.
- أردوغان واجه محاولة انقلاب بعد تخفيف اعتماده على الغرب.
الرسالة واضحة: اخضع أو ادفع الثمن.
سابعًا: لماذا إسرائيل تحصّن وتزدهر بينما الأمة تنزف؟
إسرائيل، الدولة النووية المحتلة، ترتكب انتهاكات يومية بلا محاسبة، بينما الدول المحيطة بها تُقسّم وتُدمّر. السبب واضح: إضعاف كل ما يهدد تفوقها.
فلسطين تبقى محاصرة، والعراق وسوريا خرجا من محور المقاومة، وليبيا لم تعد دولة، والسودان تم تفتيته. مشروع تفتيت الأمة يسير بخطى ثابتة.
ثامنًا: طريق النجاة — وحدة، وعي، سيادة
كسر هذا المخطط يتطلب:
- وحدة إسلامية شاملة تتجاوز المذهب والعرق.
- نهضة فكرية عبر العلماء والمفكرين المستقلين.
- سيادة استراتيجية في الإعلام والاقتصاد والتعليم.
- وعي جماهيري بأن العدو ليس من بيننا بل من يوظفنا ضد بعضنا.
الخاتمة:
الأمة ليست ضعيفة بطبعها، بل أُضعِفَت عن سابق تخطيط. لكن كل مخطط يمكن إفشاله حين يُكشف ويُواجه. والسؤال الآن: هل سنستمر في لعب الدور الذي رُسم لنا، أم سنعيد كتابة مصيرنا بأيدينا؟